مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )
17
تفسير مقتنيات الدرر
قال اللَّه : * ( [ كَذلِكَ ] ) * أي أنزلناه كذلك متفرّقا * ( [ لِنُثَبِّتَ بِه فُؤادَكَ ] ) * لنقوّي به قلبك فتزداد بصيرة وذلك أنّه إذا كان يأتيه الوحي متجدّدا في كلّ حادثة وكلّ أمر كان ذلك أقوى لقلبه وأزيد في بصيرته ، وقيل : إنّما أنزلت الكتب جملة واحدة لأنّها نزلت على الأنبياء يكتبون ويقرؤن فنزلت عليهم مكتوبة والقرآن إنّما نزل على نبيّ امّيّ لا يكتب ولا يقرء ولذلك نزل متفرّقا « 1 » . وأيضا فإنّ في القرآن الناسخ والمنسوخ وفيه ما هو جواب لمن سأله عن أمور وفيه إنكار لما هو كان الحكمة إنزاله متفرّقا . * ( [ ورَتَّلْناه تَرْتِيلًا ] ) * أي بيّنّاه تبيينا بعضه إثر بعض روي أنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله قال : يا ابن عبّاس إذا قرأت القرآن فرتّله ترتيلا قال : وما الترتيل ؟ قال : بيّنه تبيينا ولا تنثره نثر الرمل قفوا عند عجائبه وحرّكوا به القلوب ولا يكوننّ همّ أحدكم آخر السورة . قوله تعالى : * ( [ ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ] ) * من الجنس الَّذي تقدّم ذكره من الشبهات * ( [ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ ] ) * الَّذي يبطله ويدحضه أي لا يأتيك المشركون بمثل يضربونه لك واعتراض في نبوّتك إلَّا أبطلناه بالحقّ وهو القرآن * ( [ وأَحْسَنَ تَفْسِيراً ] ) * أي وبأحسن تفسيرا ممّا أتوا به من المثل بيانا وكشفا . قوله : * ( [ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ ] ) * أي يسحبون على وجوههم إلى النار وهم كفّار مكّة وذلك أنّهم قالوا : لمحمّد ( صلَّى اللَّه عليه وآله ) وأصحابه هم شرّ خلق اللَّه ، فقال اللَّه :
--> ( 1 ) وهذا القول يستلزم أمورا لا يتفوه بها مسلم : منها كون سائر الأنبياء أفضل من نبينا صلى اللَّه عليه وآله وامتيازهم عنه بعلم الكتابة والقراءة ومنها عدم اطلاعه صلى اللَّه عليه وآله على الآيات قبل نزولها ، وهو تعالى يقول : * ( « ولا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُه » ( طه : 114 ) الدال على أنه صلى اللَّه عليه وآله كان يقرء الآيات إلى آخرها قبل ان يلقيها عليه روح القدس . ومنها انه صلى اللَّه عليه وآله لم يكن متمكنا من الكتابة والقراءة مع أن عدم الكتابة لا يلازم عدم التمكن بل السر فيه إزالة ريب التعلم على ما أشار اليه في قوله تعالى : * ( « ولا تَخُطُّه بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ » ( العنكبوت : 48 ) وليت شعري ما اجرا الإنسان بربه الكريم ونبيه العظيم ؟